أحمد عبد الباقي
426
سامرا
قد وجهت إلى مدينة السلام فجاءوني بكباستين ، وقد علمت أنك تشتهيه . ثم قال يا ايتاخ هات احدى الكباستين . فجاء بكباسة بسر ، فمد المعتصم باللّه ذراعه وقبض عليها بيده ، وقال : كل بحياتي عليك من يدي . فقلت : جعلني اللّه فداك يا أمير المؤمنين ، بل تضعها فآكل كما أريد : لا واللّه الا من يدي . فواللّه ما زال حاسرا ذراعه ومادا يده وانا اجتني من العذق « 23 » . وقال ابن أبي دواد انه ركب يوما مع المعتصم باللّه فانتهوا إلى واد لا يعرف غور مائه ، فقال الخليفة لرحال ابن أبي دواد : مكانك حتى أتقدم فاعرف غور الماء واطلب قلته واتبع أنت سيري . وتقدم رجل فدخل الوادي وجعل يطلب قلة الماء ، وتبعه المعتصم باللّه فمرة ينحرف عن يمينه وأخرى عن شماله وتارة يمضى لسننه ، ونحن نتبع اثره حتى قطعنا الوادي « 24 » . لقد كان ابن أبي دواد يمثل الروح العربية الأصيلة في الكرم والأيثار والنخوة ، تلك الروح التي ساعدت العرب على الاحتفاظ بمقامهم في الدولة في عهد العباسيين ، رغم سيطرة الجند الأتراك وسلطان قوادهم . كما كان كريما جوادا ، حتى قيل إنه لم ير في أبناء جنسه أكرم ولا انبل ولا أسخى « 25 » . ورآه اعرابي فقال : صفته شافية للقلوب ، ونصحيته جالبة للمنافع « 26 » . وكان ابن أبي دواد يعزف عن مجالس اللهو ويكره سماع الموسيقى والغناء . يروى عنه أنه قال : كنت أعيب الغناء وانكر
--> ( 23 ) تاريخ بغداد 3 / 345 . ( 24 ) نفس المصدر . ( 25 ) الفهرست / 254 . ( 26 ) البصائر والذخائر 1 / 133 .